علي بن عبد الكافي السبكي

617

فتاوى السبكي

عن معارضته أعجب من عجز الجن وإنما ذكرت الجن في قوله قل لئن اجتمعت الإنس والجن تعظيما لإعجازه لأن الهيئة الاجتماعية لها من القوة ما ليس للأفراد فإذا فرض اجتماع جميع الإنس وجميع الجن فظاهر بعضهم بعضا وعجزوا عن المعارضة كان الفريق الواحد والطائفة الواحدة منه وكل شخص منها عن المعارضة أعجز فمقصود الآية إثبات عجزهم بدليل الأولى سواء حصل هذا الاجتماع أم لم يحصل والسائل معذور في رده على المستدل بذلك على عموم البعثة للجن ونحن لم نستدل بذلك بل بغيره مما لا معترض عليه ولا مرد له . * ( فصل ) * قال السائل وأما ما أحل لهم فذلك في الحقيقة تكليف لنا ومتعلق بنا وإن كان من أجلهم كما نهى عن البصق عن اليمين من أجل الملك وكما حرم استقبال القبلة بغائط أو بول أقول إن ثبت لفظ الإحلال لهم لم يرد هذا لأن الإحلال لهم حكم شرعي متعلق بهم وهو إخبار لهم عن الله تعالى وهو معنى الرسالة والبعثة ولا ينبغي للسائل أن يتوقف في ذلك إن ثبت لفظ الإحلال لهم وإن لم يثبت إلا اللفظ الذي قدمناه وهو قوله لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه فهو محتمل للإحلال ولغيره كما قدمناه فهو محل التوقف وإذا جعل التوقف من هذا الدليل لم يحصل من غيره وأما النهي عن البصاق لأجل الملك وتحريم استقبال القبلة بغائط أو بول فنظيره تحريم الاستنجاء بالعظم من أجل الجن وذلك بمجرده لا يستدل به وإنما يستدل بالتحليل لهم فليفهم الناظر الفرق بين التحليل لهم والتحريم علينا من أجلهم والأول حكم شرعي متعلق بهم والثاني متعلق بنا لا بهم وليس لنا إذا ورد اللفظ الأول أن نحمله على الثاني لأنه يجب علينا المحافظة على ألفاظ الشريعة ما أمكن وفهم معانيها وتوفيتها ما تستحقه من الأحكام ولا نهمل شيئا من ذلك ولا نتجاوزه فنزيد أحكاما لم ينزل الله بها من سلطان ولا ننقص منه فنترك حكما أنزله الله من فعل ذلك كان في الأول حاكما بغير ما أنزل الله وفي الثاني تاركا للحكم بما أنزل الله وكلاهما مذموم لقوله ومن لم يحكم بما أنزل الله الآيات وإذا توعد على عدم الحكم بما أنزل الله فعلى الحكم بما لم